كلمـة السيد فـاروق الشـرع نائب رئيس الجمهورية العربية السورية في افتتاح اللقاء التشاوري لمؤتمر الحوار الوطني طباعة أرسل إلى صديق
الأحد, 17 تموز/يوليو 2011 06:54

السيدات والسادة،

اليوم، العاشر من تموز، هو بداية حوار وطني، وهو ليس كغيره من الأيام لأننا نأمل منه أن يفضي في نهاية المطاف إلى مؤتمر شامل يعلن فيه انتقال سورية إلى دولة تعددية ديمقراطية يحظى فيها جميع المواطنين بالمساواة ويشاركون في صياغة مستقبل بلدهم.

 

ومن هذا المنطلق، وجهت الدعوة إلى هذا اللقاء التشاوري إلى شخصيات وطنية من كل الانتماءات والتوجهات والتيارات: حزبيين بعثيين وجبهويين، مستقلين ومعارضين، مفكرين وأصحاب رأي، ومن مختلف ألوان الطيف السوري الذي يصعب على الناظر إليه أن يفصل لوناً عن الآخر. وسيدعى المزيد من الشخصيات الوطنية إلى المؤتمر الشامل الذي سنبدأ بالتحضير له بعد انتهاء هذا اللقاء التشاوري.

علينا أن نتذكر أن هذا الحوار لا ينطلق في أجواء مريحة سواء كان ذلك في الداخل أو الخارج، أجواء يكتنفها الكثير من الشك والريبة، وتخفي في أعماقها قدراً لا يستهان به من الرفض والقلق في أكثر من مكان. فالتحول في مسار القوانين، والانتقال من وضع إلى آخر لا يمكن أن يمرا بيسر وسلاسة من دون عقبات طبيعية كانت أم مفتعلة. والخطط المضادة لدى الآخرين، سواء كانت معدة مسبقاً أو تمت فبركتها في عجالة، إنما استندت في معظمها إلى كم كبير من الأخطاء والنفايات التي كنا نرميها تحت سجادنا دونما تفكير عميق في قادم الأيام. كما واعتمدت الخطط المعدة على مفاجآت معرفية على مستوى العالم الذي وظف أدواته من وسائل الإعلام بمهارة عالية في هذه الأحداث بدلاً من استخدام السلاح المتطور كما كان يحصل عادة في حروب القرن الماضي.

 

وزاد من خطورة الانزلاقات الراهنة قراءتنا السطحية لما كان يجري من حولنا، وتجاهلنا لما أثاره الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 من غرائز مذهبية وعرقية في منطقتنا.  متناسين أن الدول الغربية يمكنها أن تسوق ما تفعله بدهاء لدى مجالس أمنها ولدى مواطنيها بأنه " دفاع عن النفس" حتى لو كان جنودها يعملون على بعد عشرات الآلاف من الكيلومترات. وباختصار، المطلوب منا أن نستنتج أنهم أبرياء حتى لو خدعوا شعوبهم، ونحن مدانون إلى أن تثبت براءتنا أمام محاكمهم أيضاً وليس أمام محاكمنا التي لا نوفر لها ما تستحق.

 

أعود  إلى موضوع اجتماعنا اليوم لأقول باسمكم جميعاً، انطلاقاً من تلبيتكم لدعوة هيئة الحوار الوطني، أن إيصال أصواتكم هو حق مشروع ، كما هي المطالب المحقة الأخرى التي تتعلق بحياة الناس المعيشية. وهذا الحوار ليس منة من أحد على أحد، ولا يمكن اعتباره تنازلاً من الحكومة للشعب، بل هو واجب كل مواطن عندما ننطلق من الإيمان الراسخ بأن الشعب هو مصدر السلطات كباقي الدول المتقدمة.

 

إن معاقبة أشخاص يحملون رأياً فكرياً أو سياسياً مختلفاً بمنعهم من السفر أو العودة إلى الوطن، سيقودهم إلى التماس الأمن والحماية من مجتمعات أخرى. وأود الإعلان في هذا السياق عن صدور قرار واضح من القيادة يفضي بعدم وضع عقبات غير قانونية في وجه سفر أو عودة أي مواطن سوري إلى وطنه متى شاء، ولقد أبلغ وزير الداخلية بهذا القرار لتنفيذه خلال أسبوع من تاريخه.

 

الحوار ليس بالأمر البسيط، ولا هو دائماً في متناول الجميع كما قد يتوهم البعض، إذ لا بديل عنه في الوضع الراهن غير النـزيف الدموي والاقتصادي والتدمير الذاتي. أما فكرة " اللاحوار" فلا أفق سياسياً لها ولا أظن أن هذه الفكرة ستكون مطلباً شعبياً في أي ظرف كان، فكيف بظروف بلدنا ومنطقتنا في هذه الأيام.

 

إن " اللاحوار " فكرة عبثية، فالحروب الكبرى والصغرى، والأزمات الوطنية والقبلية، لم تنته يوماً إلا بالحوار أو بواسطته. وعلى أساس هذه المفاهيم المبدئية والموضوعية نتفاءل بمستقبل هذا الحوار الوطني، وآمل أن تتفاءلوا معي. إن وطننا الغالي علينا جميعاً هو الآن على المحك في هذه الظروف التي يجب أن نستعيد فيها الشجاعة والحكمة آملين وواثقين بإيفاء السيد الرئيس بشار الأسد بما وعد به.

إن التطبيق الكامل للقوانين التي صدرت ولم تسمح لها الظروف السائدة أن تدخل حيز التنفيذ،  لاسيما قانون رفع حالة الطوارئ ، كفيل أن ينقل سورية إلى مرحلة جديدة متقدمة لم تعهدها بلادنا إلا لماماً منذ جلاء المستعمر عن أراضيها. ويتطلب ذلك من الجميع التحلي بروح المسؤولية التاريخية لتجاوز هذه الحلقة المفرغة، فتظاهر غير مرخص يؤدي إلى عنف غير مبرر سينجم عنه استمرار سقوط الشهداء من المدنيين والعسكريين وكلهم أبناء هذا الوطن الذي نعيش فيه وندافع عنه.

كما يجب الاعتراف أنه لولا التضحيات الجسام التي قدمها الشعب السوري من دم أبنائه، مدنيين وعسكريين، في أكثر من محافظة ومدينة وبلدة لما كان لمثل هذا اللقاء أن يعقد بمتابعة رسمية وحزبية على أعلى المستويات تحت عدسات المصورين. لقد كان ثمن هذه الدماء الزكية – كما يدرك المواطنون السوريون في أعماقهم – أغلى من كل الحسابات الضيقة، وأسمى من كل الأحقاد الدفينة التي سجلتها شاشات الأشقاء بتشفٍ وحبور، لم ينافسهم عليها أعداء الأمة وخصومها.

 

لقد كان من السهل، كما هو الحال في وطننا العربي الكبير، إثارة الغرائز المذهبية والعرقية وصب النفط على نارها، وعرضها للأسف تحت المجهر مع الموسيقى المرافقة، لإدخال الرعب في نفوس الكبار قبل الصغار، غير أن الحوار الوطني، الذي لا رجعة عنه، هو أكثر انسجاماً وتماهياً مع تاريخ سورية وشعبها المعطاء، وتألق حضارتها المدهشة.

 

إذ أن مجتمعنا لن يستطيع بغير النظام السياسي التعددي الديمقراطي الذي سينبثق عن هذا الحوار أن يصل إلى الحرية والسلم الأهلي اللذين يرغب بهما كل مواطنيه في أرجائه كافة.

وإذا نجح الشعب السوري في التحول الديمقراطي سلمياً وبالتعاون بين جميع أطيافه ودون أي تدخل أجنبي فهو سيكون قد نجح في كسر الحلقة المفرغة التي يدور فيها جدل محتدم بين الحل السياسي للأزمة والحل الأمني، ونجح في أن يعزل عن بيئته من لا يهمهم مستقبل هذا الوطن، أو التغيير تحت سقفه، أياً كان هذا التغيير، دون أن يدركوا أن هذا يخدم مصلحة أعداء سورية في تقسيم الوطن.

وقد أثبتت مختلف مراحل التاريخ أن استعانة العرب بالأجنبي واستقواءهم به لم تجلب لهم الحرية المنشودة و إنما المزيد من فقدان الأمن و الأرض.

 

إن سورية التي ستطبق فيها الإصلاحات المرتجاة ستكون سورية التي شفيت من جراحها تماماً ولن تجد حينها من ينكأها، ستكون سورية الخالية من الأحقاد والضغائن التي يريد البعض في الداخل والخارج إيقاظها. إن الحوار الوطني يجب أن يتواصل سياسياً وعلى كافة المستويات ومختلف الشرائح لطي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة في تاريخ سورية. ليس في تحقيق هذا الهدف سذاجة بل خيال سياسي له في جوانحه الكثير من الواقعية المرجوة.

 

لم لا نختصر الخطوات والمعاناة سواء كنا مسؤولين أو مواطنين عاديين ونستفيد من تجارب الشعوب والأمم التي دفعت غالياً من عرق ودماء أبنائها لعقود طويلة لتبدأ بعدها مسيرة الإصلاح الديمقراطي التعددي. لم لا يكون هذا اللقاء التشاوري بداية هذا الطريق وهذا النهج؟

 

ومع تمنياتي الصادقة لأعضاء اللقاء التشاوري التوفيق والتوافق في مناقشاتهم لجدول الأعمال المعروض أمامكم. كما أتمنى على الشعب السوري الذي هو مصدر السلطات أن يتعاطف مع كل مواطن وسياسي يسعى إلى إعطاء هذا الحوار فرصته من النجاح وحكمه على الأفعال قبل الأقوال.

 

شكراً والسلام عليكم.

*   *   *

تاريخ آخر تحديث: الإثنين, 08 آب/أغسطس 2011 10:04